أبي أحمد حسن العسكري
91
شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف
قال ابن دريد : وأخطأ في تفسير قول مالك بن أسماء بن خارجة « 1 » ، حين وصف جارية فقال : منطق صائب وتلحن أحيا * نا وخير الحديث ما كان لحنا فقال : يستظرف من الجارية أن تكون غير فصيحة ، وأن يعترى منطقها اللّحن . وهذا خطأ ، إنما أراد أنها تورّى عن الشئ من فطنتها وذكائها . وأخبرني محمد بن يحيى ، حدثني يحيى بن علىّ المنجّم ، حدثني أبى ، قال : قلت للجاحظ : مثلك في علمك ومقدارك من الأدب ينشد قوله : وخير الحديث ما كان لحنا ويفسّره على أنه أراد اللّحن [ 46 ا ] في الإعراب ، وإنما وصفها بالظّرف والفطنة ، وأنّها تورّى في لفظها عن أشياء ، قال : قد فطنت لذلك بعد ، قلت : فغيّره ، قال : كيف لي بما سارت به الرّكبان ؟ وحكى عن الجاحظ أنه روى : نشطته الشعوب ، فعرّفها بالألف واللام « 2 » ،
--> - ألا يا غراب البين مم تصيح * وصوتك مشنوء إلى قبيح ( 1 ) - هو مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري ، وآباؤه سادة غطفان ، وكان شاعرا غزلا ظريفا ، والبيت من أبيات قالها في جارية له : أمغطى منى على بصرى بالحب * أم أنت أكمل الناس حسنا وحديث ألذه هو مما * يشتهى الناعتون يوزن وزنا منطق صائب ويلحن أحيا * نا وأحلى الحديث ما كان لحنا ( 2 ) - في الأصل : نسطته الشعوب ، وهي مصحفة عما أثبتنا . وما أخذ على الجاحظ أنه عرف شعوب بالألف واللام موضع خلاف ، فقد جاء في لسان العرب مادة ( شعب ) ما نصه : إن شعوب بمعنى المنية معرفة لا تنصرف ، ولا تدخلها الألف واللام ، وقيل شعوب والشعوب كلتاهما المنية ، لأنها تفرق . أما قولهم فيها : شعوب بغير لام ، والشعوب باللام ، فقد يمكن أن يكون في الأصل صفة ، لأنه من أمثلة الصفات بمنزلة : قتول وضروب ، وإذا كان كذلك فاللام فيه بمنزلتها في العباس والحسن والحارث ، ويؤكد ذلك عندهم أنهم قالوا في اشتقاقها إنها إنما سميت شعوب لأنها تشعب : أي تفرق ، وهذا المعنى يؤكد الوصفية فيها ، وهذا أقوى من أن تجعل اللام زائدة . ومن قال « شعوب » بلا لام ، خلصت عنده اسما صريحا ، وأعراها في اللفظ عن مذهب الصفة ، -